محمد بن جرير الطبري
3
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
بسم الله الرحمن الرحيم القول في تأويل قوله تعالى : * ( لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون ) * . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ( ص ) : لتجدن يا محمد أشد الناس عداوة للذين صدقوك واتبعوك وصدقوا بما جئتهم به من أهل الاسلام ، اليهود والذين أشركوا يعني عبدة الأوثان الذين اتخذوا الأوثان آلهة يعبدونها من دون الله . ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا يقول : ولتجدن أقرب الناس مودة ومحبة . والمودة : المفعلة ، من قول الرجل : وددت كذا أوده ودا وودا وودا ومودة : إذا أحببته . للذين آمنوا ، يقول : للذين صدقوا الله ورسوله محمدا ( ص ) . الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون عن قبول الحق واتباعه والاذعان به . وقيل : إن هذه الآية والتي بعدها نزلت في نفر قدموا على رسول الله ( ص ) من نصارى الحبشة ، فلما سمعوا القرآن أسلموا واتبعوا رسول الله ( ص ) . وقيل : إنها نزلت في النجاشي ملك الحبشة وأصحاب له أسلموا معه . ذكر من قال ذلك : 9608 - حدثني محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب ، قال : ثنا عبد الواحد بن زياد ، قال : ثنا خصيف ، عن سعيد بن جبير ، قال : بعث النجاشي وفدا إلى النبي ( ص ) ، فقرأ عليهم النبي ( ص ) فأسلموا . قال : فأنزل الله تعالى فيهم : ولتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا . . . إلى آخر الآية . قال : فرجعوا إلى النجاشي فأخبروه ، فأسلم النجاشي ، فلم يزل مسلما حتى مات . قال : فقال رسول الله ( ص ) : إن أخاكم النجاشي قد مات ، فصلوا عليه فصلى عليه رسول الله ( ص ) بالمدينة والنجاشي بالحبشة .